أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
37
التوحيد
مسألة [ في صفات اللّه تعالى والتسمية بها ] قال أبو منصور رحمه اللّه : ثم الوصف للّه بأنه قادر عالم حيّ كريم جواد والتسمية بها حقّ من السمع والعقل جميعا . فالسمع ما جاء به القرآن وسائر كتب اللّه ، وسمّي بالذي ذكرت الرّسل والخلائق كل منهم ، إلا أن قوما وجهوا تلك الأسماء إلى غيره ؛ ظنّا منهم أن في إثبات الاسم تشابها بينه وبين كل مسمّى ، ولو كان به ذلك لكان بنفي التعطيل ذلك ، وبنفيه أيضا تشابه بينه وبين ما لا يدخل تحت اسم ، وهو ما ليس كذلك ، ولكن قد بيّنا بعد التشابه لموافقة الاسم ، فهو مسمّى بما سمّى به نفسه ، موصوف بما وصف به نفسه . والعقل يوجب ذلك ، لأن اللّه سبحانه إذ ثبت عنه مختلف الخلق بجوهره وصفاته دلّ أن فعله ليس بفعل الطّباع بل هو فعل الاختيار . وأيضا أن اتساق الفعل المتوالي - بلا فساد يظهر ، ولا خروج عن طريق الحكمة - يثبت كون المفعول بالاختيار من الفاعل ، فثبت أن الخلق كان بفعله حقيقة ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن اللّه تعالى إذ أنشأ شيئا ثم أفناه ، وفيه أيضا ما قد أعاده نحو الليل والنهار ، ثبت أن فعله بالاختيار ؛ إذ تحقّق به صلاح ما قد أفسده ، وإعادة ما قد أفناه ، وإيجاد المعدوم وإعدام الموجود ، فثبت أن طريق ذلك الاختيار ؛ إذ من كان الذي منه يكون بالطّبع لا يجئ منه نفي ما يوجد ، وإيجاد ما يعدمه ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا إنّا قد بيّنا حدث العالم لا من شيء ، وذلك نوع ما لا يبلغه إلا فعل من هو في غاية معنى الاختيار ، وما يكون بالطبع فحقه الاضطرار ، ومحال أن يكون من يبلغ شأنه إلى إنشاء الأشياء لا من شيء ، ثم يكون ذلك بالطبع ، مع ما كان وقوع الشيء بالطبع هو تحت قهر آخر ، وجعله بحيث يسقط عنه الإمكان ، وذلك آية الحدث وأمارة الضعف ، جلّ ربّنا عن ذلك وتعالى . مع ما جرى التعارف المتوارث من الخلق بالدعوات والتضرع إلى اللّه تعالى بالفرج ، وأنه قهر كذا ونصر كذا ، وأعان فلانا وخذل فلانا ، وأن كل ذي قوة يفعل بقوة أنشأها ، ولا ينال شيء من ذلك بالمضطر ، ولا يرغب فيه ؛ دل ذلك على أن العالم باختياره . فإذا ثبت الاختيار ثبتت له القدرة على الخلق ، والإرادة لكونه على ما هو عليه ؛